ابن حمدون
135
التذكرة الحمدونية
في الليل فقال لي : بت عندي [ 1 ] وليكن فرسك معدّا عندك لا يرد . فلما كان في السحر أمر أصحابه وغلمانه ألا يرحلوا حتى تطلع الشمس ، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه معه ، فسار حتى صبّح الحصن [ 2 ] ، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا ، فقصده وسلَّم عليه ونزل عنده وقال له : ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل ، ولم تتنحّ عن عبد اللَّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك ، ومع ما بلغه عنك ؟ فقال له : إنّ ما قلت لم يذهب عليّ ، ولكن تأمّلت أمري ، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرّة الحداثة ، وأني إن هربت منه لم أفته ، فباعدت البنات والحرم [ 3 ] ، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك ، فإنا أهل بيت قد أسرع القتل فينا ، ولي بمن مضى أسوة ، فإني أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب ، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته له ؛ قال : فواللَّه ما اتقاه عبد اللَّه إلا بدموعه تجري على لحيته ثم قال له : أتعرفني ؟ قال : لا واللَّه ، قال : أنا عبد اللَّه بن طاهر وقد أمّن اللَّه روعك [ 4 ] ، وحقن دمك ، وصان حرمك ، وحرس نعمتك ، وعفا عن ذنبك ، وما تعجّلت إليك وحدي إلا لتأمن قبل هجوم الجيش ، ولئلا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك ؛ فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه ، وضمّه عبد اللَّه إليه وأدناه ، ثم قال له : إما لا فلا بدّ من عتاب يا أخي ، جعلني اللَّه فداك ، قلت شعرا في قومي أفخر بهم لم أطعن فيه على حسبك ، ولا أدّعيت فضلا عليك ، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك فهم القوم الذين ثارك عندهم ، وقد كان يسعك السكوت أو إن لم